علي الهجويري

459

كشف المحجوب

دينك فلا تنكر السماع عن الصوفية ولا تر نفسك أهلا له في صغرك فإذا كبرت لا تخطئ الناس . والبعض يقولون : إن أهل السماع نوعان : لاهى وإلهي فالأوائل في وسط الكبيرة ولا يخرجون منها أبدا ، والآخرون يحفظون أنفسهم من المعصية بمجاهدة النفوس ، والزهد في كل المخلوقات والخشونة في المأكل والشرب والملبس . وحيث أننا كما يقول أهل هذا الزعم لا ننسب إلى أي من الطبقتين فإنه من الأحسن لنا أن نمتنع عن السماع وأن نشغل أنفسنا بما يوافق أحوالنا . وبعضهم يقول طالما أن السماع خطر على العامة وأنهم يقعون في الشك عندما يرونا نعمل به وبما أنهم لا يقدرون على الوصول إلى مرتبتنا وأنهم يقعون فإننا نشفق عليهم . وإنا ننصح الصوفية الحقيقيين أن يمنعوا عن الانهماك في السماع ، وهذا طريق محمود . والبعض يقولون : إن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » « 1 » وعلى ذلك فإننا نترك السماع لأنه لا لزوم له وأنه من ضياع الوقت أن يشغل الإنسان نفسه بأمور تافهة لأن الوقت ثمين بين المحب والمحبوب . وبعضهم يقولون : إن السماع هو خير وأن بهجته مشتملة على وصف محبوب وهذا لعب أطفال ، وما فائدة الرواية إذا كان الإنسان وجها لوجه وأثمن هذه الأعمال حقا هي مشاهدة الله تعالى . وما بيناه لك هو أصول السماع على سبيل الاختصار .

--> ( 1 ) رواه أحمد والترمذي ومالك والطبراني - كنوز الحقائق للمناوي على هامش الجامع الصغير ج 2 ص 91 ، وصححه السيوطي - راجع الجامع الصغير ج 2 ص 158 .